خَلْقُ السّموات والأرض(البحث التاسع)

السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرَضُوْنَ السَّبْعُ
في كتاب الله العزيز ورد لفظ (السماء) بصيغة المفرد وصيغة الجمع، فمرة يقول(وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ) ومرة أخرى يقول(قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ)
أما لفظ الأرض فلم يرد في القرآن الكريم إلا بصيغة المفرد، أما في بعض الأدعية فقد ورد لفظ الأرض بصيغة الجمع كما في كلمات الفرج: سبحان الله رب السموات السبع ورب الأرضين السبع وما بينهن وما فيهن: فما هو الدليل على وجود أكثر من أكثر من أرض؟ وإذا كان هناك أكثر من واحدة فأين هنَّ وكيف ومتى ولماذا وما شاكله من تعابير.
لقد أشار القرآن الكريم إلى أن عدد الأراضي كعدد السموات السبع ولكنه لم يبيّن لنا مراده من ذلك كما ورد في سورة الطلاق الآية 12(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) وهذه هي الآية الوحيدة التي تشير إلى أن عدد الأراضي كعدد السموات، ولكن هنا اختلف المفسرون في المعنى:
منهم من قال بأن هناك سبع كرات أرضية وأن أرضنا واحدة منها، وأن عقول البشر لا تحتمل معرفة ذلك، ولذا فإن الله تعالى لم يطلعنا على تفاصيل تلك الكرات.
ومنهم من ذهب إلى أن المراد بالأرضين السبع هو الطبقات السبع التي تتركب منها الأرض كما اكتشف ذلك العلم الحديث.
ومنهم من قال بأن المراد بذلك هو الأقاليم السبع كما قُسّم سطح الأرض، وقد أشار إمامنا علي بن أبي طالب(ع) إلى مسألة الأقاليم السبعة بقوله في نهج البلاغة”وَاللهِ لَوْ أُعْطِيتُ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ بِمَا تَحْتَ أَفْلاَكِهَا، عَلَى أَنْ أَعْصِيَ اللهَ فِي نَمْلَةٍ أَسْلُبُهَا جِلْبَ شَعِيرَةٍ مَا فَعَلْتُهُ”
طَبَقَاتُ الأَرْضِ
لقد اكتشف علماء عصرنا أن هذا الكوكب الذي نعيش على سطحه يتركب من سبع طبقات، وقد أجروا الكثير من الأبحاث حتى توصلوا إلى هذه الحقيقة العلمية التي أشار إليها القرآن الكريم منذ أكثر من ألف وأربعماية سنة، وأطلقوا عليها الأسماء التالية:
1- اللب الداخلي
2- اللب الخارجي
3- الطبقة دي
4- الوشاح السفلي
5- الوشاح العلوي
6- القشرة المحيطية
7- القشرة القارية
وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ
إن لهذا البحث علاقة متينة بما سبق ولكنني فصلتهما لأن الكلام هنا سوف يأخذ منحى آخر حيث سوف أشير إلى بعض الإحتمالات التي لم يدل عليها دليل فتبقى مجرد احتمالات لا تصلح أن تكون حجة، ولكنها نوعاً ما تقرّب المعنى المراد إلى الأفهام، ففي البحث السابق اعتمدنا على كلام المفسرين وكلام أهل العلم حيث طبقوا هذه النظرية القرآنية على اكتشافاتهم وبيّنوا ما أمكنهم بيانه حول هذا الموضوع، أما هنا فسوف يكون البحث مختلفاً.
ففي القرآن المجيد لا يوجد غير آية واحدة تشير إلى مسألة تعداد الأرض، أما غيرها الآيات فلم تذكر الأرض إلا بصيغة المفرد، وكذلك في هذه الآية أيضاً ذُكرت الأرض بصيغة المفرد ولكنها أُتبِعَتْ بكلام صرف الذهن إلى وجود أكثر من أرض، وهي قوله تعالى(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا){الطلاق/12}
وأمام دقة الأمر أكتفي بذكر الإحتمالات حولها من دون ترجيح أمرٍ على آخر.
الإحتمال الأول: هل أن المراد بقوله تعالى(مِثْلَهُنَّ) هو العدد أم الشكل؟ فإذا كان هو العدد فمعنى ذلك أنه يوجد أكثر من أرض بغض النظر عن كونها طبقات الأرض أو أقاليمها أو أن هناك سبع كرات أرضية مثل أرضنا التي نحن عليها، وأما إذا كان االمراد هو الشكل فمعناه أن تركيبة الأرض من طبقاتها السبع تشبه تركيبة السموات بنحو من الأنحاء.
الإحتمال الثاني: هل يوجد بين كل سماء وسماء فضاء فيه ما في فضائنا من مجرات وكواكب وشموس وأقمار؟ ولكننا نلاحظ بأن الآيات التي تحدثت عن الشمس والقمر لم تستعمل في الحديث عنهما سوى لفظ المفرد، وإذا كان بين كل سماء وسماء أرض فينبغي أن يشبه نظامها أنظمة أرضنا وما حولها، أس ينبغي أن يكون لهن شموس وأقمار قال تعالى(وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا){الشمس1/2} وقال سبحانه(تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا){الفرقان/61} وقد خصَّ الله تعالى سماءنا بموضوع تزيينها مما يوحي بعدم وجود شمس أو قمر في لغيرها حيث قال تعالى(إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ){الصافات/6} وقال سبحانه(وَزَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ){فصلت/12} وقال عز وجل(وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ){الملك/5}



